القاضي عبد الجبار الهمذاني
177
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : أفتقولون في هذا الوجه إنه يحسن منه تعالى أن يكلفه على وجه دون وجه ، مع أن كل واحد منهما يسد مسد الآخر في كونه مصلحة ؟ فإن قلتم : إن ذلك جائز من حيث حصل لأحد الوجهين مزية على الآخر ؛ قيل لكم : إن ذلك ينقض ما قدّمتموه من أنه تعالى لا يحسن منه أن يكلف فعلا دون فعل مع تساويهما في باب الصلاح ، حتى قلتم لو علم تعالى أن للكفارات الثلاثة رابع سدّ مسدّ كل واحد منها في المصلحة ، لوجب أن يدل على ذلك ويتعبد به ، وعللتم بأنه إذا لم يتعبد بما هذا حاله ، فقد أباح للمكفر أن يعتقد فيما عدا الثلاثة أنه ليس بمصلحة ، وذلك يوجب اعتقاد الجهل . وهذا قائم فيما ذكرتموه من أحد وجهي الإيمان ؛ لأنه تعالى إذا لم يكلفه عليه ، فقد أباح للمكفّر هذا الاعتماد فيه . فإن قلتم : إن أحد الوجهين يساوى الآخر ويوفى عليه ، فجائز أن يختص بالتكليف . قيل لكم : أفليس إحدى الكفارات قد توفى على غيرها في باب المشقة والفضل وزيادة الثواب كالعتق ، ولم يمنع ذلك من أن يتعبد تعالى بما عداها ؟ فهلا قلتم بوجوب ذلك في الإيمان الواقع على الوجهين ؟ فإن قلتم : إنه في أحد الوجهين يكون صلاحا على الحد الّذي يكون النفل « 1 » صلاحا عليه ؛ وعلى الوجه الآخر يكون صلاحا على الوجه الّذي يكون الفرض صلاحا عليه ، فلذلك صح ما ذكرتموه . قيل لكم : فقد كان يجب أن يتعبد تعالى به على كلا الوجهين ويوجبه على أحدهما ويندب إلى فعله على الوجه الآخر . فإن قلتم : إنما كان يجب ذلك لو صح أن يوقعه على / كلا الوجهين على الجمع ، فإذا لم يكن منه ذلك إلا على البدل ، فذلك بعيد فيه . وإنما يصح فيه على طريقة التخيير فقط ، ولا يصح منه تعالى أن يخير بين الفرض والنفل وإن صح أن يخير بين الفرضين والنفلين .
--> ( 1 ) غير واضحة في النص : فقد تقرأ الفضل وقد تقرأ النفل ، ولكن ورود كلمة الفرض بعد ذلك يعين أنها النفل أي الطاعة غير المكلف بها .